محمد غازي عرابي

655

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

وجودية تدخل في نطاق كل شيء حي ، وسمة التلقيح الموجب والسالب . فكل من وصل إلى كشف هذا النقاب ومعرفة هذا السر نجا من الغرق في الطوفان الذي يأخذ الكون أجمع ، والطوفان دائم ، إذ أن المادة في حالة تحرك وتحول ، أو في حالة سيلان كما قال هيراقليطس ، وهي تتفكك ويعاد تركيبها في كل ساعة ولحظة وهنيهة ، والغارقون هم الذين ظلوا في حجاب يجهلون حقيقة المعقولات التي اللّه ربها بارئها ومصورها في الأرحام . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 29 إلى 32 ] وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ( 29 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ( 30 ) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 31 ) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَ فَلا تَتَّقُونَ ( 32 ) [ المؤمنون : 29 ، 32 ] المنزل المبارك رحاب اللّه عز وجل بعد الفيء إليه والعثور عليه ، ففي هذا الوجود ليس ثمة من حقيقة إلا الحق ، وما عداه سراب بقيعة يحسبه الظمأن ماء فإذا جاءه لم يجده شيئا ، ومن نزل في رحاب اللّه نزلت عليه السكينة ، ودخل في رحمة علوية إلهية تري القلب كيف أن اللّه خالق كل شيء وأصل كل شيء والفاعل في كل شيء ، وأنه لا إله إلا اللّه ، إنه منزل مبارك وصفه الإمام الغزالي قائلا : تركت هوى ليلى ولبنى بمعزل * وصرت إلى مصحوب أول منزل ونادتني الأكوان مهلا فهذه * منازل من تهوى رويدك فانزل تمرست في دار الندى بعزيمة * قلوب ذوي التعريف عنها بمعزل غزلت لهم غزلا رقيقا فلم أجد * لغزلى نساجا فكسّرت مغزلي [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 33 إلى 34 ] وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ( 34 ) [ المؤمنون : 33 ، 34 ] الآخرة آخرة الأمر أو ما تصير إليه الأمور ، وليس ثمة إلا اللّه في الآخرة لأنه هو الذي سمى نفسه الآخر ، فالآخرة رؤية اللّه والفرح بوجوده الحقاني العظيم ، ومن وجد اللّه كان ذا حظ عظيم ، وعثر على كنز ثمين ، فهو في هذه الديار النورانية العلوية مغبوط مسرور . [ سورة المؤمنون ( 23 ) : الآيات 35 إلى 36 ] أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ ( 35 ) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) [ المؤمنون : 35 ، 36 ] للإخراج بطن هو البعث الدائم ، وهو متعلق بتجديد الخلايا الحية كل رمشة عين ، فهذا الحي لا يحيا ، ولا يستمر حيا إلا بتجدد هذا البيت الذي يسكنه على الدوام . . . حتى تركيب